ملكوت الله يمتد إلى أقصى الأرض


 ملكوت الله يمتد إلى أقصى الأرض

الدكتور أبو دورام

 

    يا أحبائي، نحن نعف أن سفر أعمال الرسل السفر التاريخي الوحيد في العهد الجديد والموحى به للكنيسة. وهذا السفر هو الجسر الذي يربط بين حياة المسيح وحلقة الانتقال من اليهودية الى أقصى العالم، وسفر أعمال الرسل وإنجيل لوقا قصة واحدة ديناميكية لأن سفر أعمال الرسل بدأ من أورشليم وانتهى في روما.

لذلك دعونا اليوم نقرأ من المقطع الكتابي الرائع من سفر(أع1: 6ـ8) ونفتح قلوبنا لما يقوله الروح القدس لنا:

أَمَّا هُمُ الْمُجْتَمِعُونَ فَسَأَلُوهُ قَائِلِينَ:«يَارَبُّ، هَلْ فِي هذَا الْوَقْتِ تَرُدُّ الْمُلْكَ إِلَى إِسْرَائِيلَ؟» فَقَالَ لَهُمْ:«لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا الأَزْمِنَةَ وَالأَوْقَاتَ الَّتِي جَعَلَهَا الآبُ فِي سُلْطَانِهِ، لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ».

عنوان موضوعنا لهذا اليوم هو{{ ملكوت الله يمتد إلى أقصى الأرض}} ونحن نعرف أن موضوع السفر هو عمل المسيح من خلال كنيسته بقوة الروح القدس.

   لماذا سفر أعمال الرسل يعتبر ديناميكي؟ لأننا نرى فيه عمل الله يمتد من اليهود الى بقية الأمم والنتيجة هي كنيسة الجامعة الواحدة(من كل الأمم والقبائل والألسنة). فنجد كلمة "أورشليم" في(أع1: 4)، وكلمة "روما" في(أع28: 14).

  رسالة يسوع لا تتغير على مر الأجيال حتى الآن، وهي تبين أن يسوع المسيح رب ومخلص لكل من يدعوه  فنكون شهود له. وهي كذلك نفس الرسالة التي ينبغي علينا نحن أن نحملها للعالم من حولنا حتى يسمعوا ويؤمنوا.

    قال لوقا في آخر إنجيله إنه قبل صعود الرب يسوع مباشرة وعد تلاميذه أنهم سيتعمدون بالروح القدس(لو24:48ــ53). كما تعرفون، خدمة يسوع المسيح بدأت من معموديته وأما الكنيسة فبدأت بمعمودية الروح القدس في يوم الخمسين. وابتدأ يسوع عمله وتعليمه في الأناجيل وأيضا في سفر أعمال الرسل استمر يسوع المسيح بعد صعوده يعملها ويعلم بها من خلال الروح القدس.

    لوقا هو مدقق وطبيب محبوب وهو أخبرنا بأن الرب وضح الأمور المختصة بملكوت الله. وملكوت الله هو موضوع رئيسي في خدمته العامة وقد كان ملكوت الله موضوعاً رئيسياً بعد صعود الرب يسوع المسيح إلى السموات .

  وانتظر تلاميذ يسوع المعمودية بالروح القدس ولم تكن هذه أول مرة سمع فيها التلاميذ عن موعد الآب من فم المخلص وفي كل خدمة يسوع على الأرض أخبرهم عن المعزي الذي سيأتي(لو49:24؛ يو16:14). فالموضوعان الرئيسيان في حديث يسوع مع تلاميذه بعد قيامته وحتى صعوده هما ملكوت الله والروح القدس.

  قال النبي في العهد القديم " عندما يؤسس الله ملكوته المسياني فانه سيسكب روحه على شعبه(أش 15:32) فسؤال تلاميذه في(أع1: 6)صحيح الى حد ما. وكان التلاميذ يفكرون في مجيء الروح القدس، وتذكروا أن يوئيل النبي تكلم عن انسكاب الروح القدس بالارتباط بحكم المسيح(يؤ28:2). ولذلك استنتجوا أن الرب سيقيم ملكه حالا إذ أنه قال في(أع1: 5)أن الروح القدس سيعطى لهم(ليس بعد هذه الأيام بكثير). ولكنهم كانوا في حالة تشويش في الفهم فيما يخص علاقة الروح القدس مع ملكوت الله ونجد هذا في سؤال تلاميذه "يا رب هل في هذا الوقت ترد الملك إلى اسرائيل؟

هنا كلمة " ترد الملك" وتعني الأرض السياسية. واسم " إسرائيل" هنا يدل على الوطن القومي في ذلك الزمان.وكلمة " في هذا الوقت" معناها يحقق حالاً. فتلاميذ يسوع تشوشوا عن فهم موضوع "ملكوت الله".

 

ولكن ملكوت الله هو ملك أرضي وروحي. كلمة kingdom باللغة الإنجليزية تساوي "مملكة" كما نجدها في المملكة الأردنية الهاشمية، وهي حيز أرضي في منطقة جغرافية معينة. أما ملكوت الله فلا نجده في خريطة العالم. ومن الواضح أن تلاميذ يسوع تشوشوا بين ملكوت الله ودولة إسرائيل في الحقيقة لأنهم فكروا بأن ملكوت الله هو أرضي فقط. فتلاميذ يسوع توقعوا أن يتحرروا من الاستعمار الروماني.ولكن الرب وجه انتباههم نحو موضوع الروح القدس.

أولاً: عندما يحل الروح القدس علينا يعطينا قوة لكي نشهد للرب

فنجد الآية المفتاحية(أع1: 8) لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ».

عندما يحل الروح القدس ويعطينا القوة لكي نكونوا شهودا للرب. فعلينا أن نشهد للرب في أورشليم، وفي كل اليهودية والسامرة، والى أقصى الأرض. ووعد الرب بحلول الروح القدس كجزء من جواب يسوع لملكوته لأن كلمة السلطان يفهم على أنه يمارس داخل الملكوت. ملكوت الله يعمل على هذا الأرض. وكذلك في السموات.ونجد هذا الكلام في الصلاة الربانية " ليأت ملكوتك لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض. فشعب الملكوت يقدم ولاءه الخالص ليسوع المسيح وهذا هو دورنا.

ثانياً: أعضاء ملكوت الله هم شعب الله في كل العالم.

    التلاميذ طلبوا أن يحرر يسوع إسرائيل من سلطان روما. وأن يجعله ملكا على إسرائيل في ذلك الزمان. ويسوع وعدنا بأننا ننال قوة للشهادة بعد أن يحل علينا الروح القدس وأيضا يعطي الشجاعة والجرأة والقدرة والسلطان. فالتلاميذ يحتاجون كل هذه الأمور ليتمموا إرساليتهم، فإن كنت تؤمن بيسوع المسيح بالحقيقة، فيمكنك أن تختبر قوة الروح القدس في حياتك.

    وكما نعرف من سفر الأعمال أن الإنجيل انتشر جغرافياً من أورشليم إلى اليهودية والسامرة وأخيرا إلى كل العالم. وابتدأت الكرازة باليهود في أورشليم والسامرة ومنها أخيراً إلى الأمم في أقصى الإرض. ولن يتم الوصول إلى كمال البشارة بالإنجيل ، طالما وجد من لم يسمع به ولم يسمع عن يسوع المسيح في أسرتك أو في مكان عملك أو في مجتمعك. إذن أنت لابد أن تشارك بطريقة ما، في الدائرة الواسعة من العالم لرسالة محبة الله. وإرساليتنا اليوم تتجه الى خارج النطاق من الداخل. ويسوع يسود على العالم كله وله جسد واحد(كنيسته)على الرغم من اختلاف العرق والدولة والجنس وهذا ما ذكره الكتاب المقدس في سفر(الرؤيا7: 9) بَعْدَ هذَا نَظَرْتُ وَإِذَا جَمْعٌ كَثِيرٌ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَعُدَّهُ، مِنْ كُلِّ الأُمَمِ وَالْقَبَائِلِ وَالشُّعُوبِ وَالأَلْسِنَةِ، وَاقِفُونَ أَمَامَ الْعَرْشِ وَأَمَامَ الْخَرُوفِ، مُتَسَرْبِلِينَ بِثِيَابٍ بِيضٍ وَفِي أَيْدِيهِمْ سَعَفُ النَّخْلِ.

ثالثاً: ملكوت الله يتسع تدريجياً.

في(أع1: 5) العدد الخامس سأل التلاميذ يسوع:«يَارَبُّ، هَلْ فِي هذَا الْوَقْتِ تَرُدُّ الْمُلْكَ إِلَى إِسْرَائِيلَ؟» ؟ وكأن هذا السؤال بمعنى آخر "هل في هذا الوقت يعود السلطان إليك؟ وكذلك كثير من الناس في فترة خدمة يسوع المسيح على الأرض توقعوا أنه يقيم ملكه الأرضي الحرفي في الحال؟ وقبل قيامة يسوع كتب لوقا عن هذا الموضوع في(لو19: 11) الأصحاح 11:19. " يسوع كان قريبا من أورشليم وكانوا يظنون أن ملكوت الله عتيد أن يظهر في الحال. ولم يتم هذا التوقع قبل قيامة يسوع فسأل التلاميذ مرة أخرى " هل هذا الملكوت يأتي حالا؟"      

وكان جواب يسوع مزدوجا الأول هو: " ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والاوقات التي جعلها الآن في سلطانه". الأزمنة والأوقات هي تحت خطة الله لأن الآب يحدد هذا الوقت والابن(مر32:13) لا يعلم متى يكون الوقت. فالأشياء المعلنة من حقنا أن نعرفها أما الأشياء غير المكشوفة فليس لنا الحق في معرفتها. والجواب الثاني : لا نستطيع أن نعرف متى سيأتي ملكه وينبغي لنا أن نكونوا شهودا للرب. والفترة بين يوم الخمسين والمجيء الثاني هي فترة الإرسالية من قبل الكنيسة التي تعمل بقوة الروح القدس فالمؤمن يخبرنا بما تعلمه من الرب وينادي بالتوبة والإيمان بيسوع المسيح. ونحن شهود للرب حتى إلى أقصى الأرض وإلى انقضاء الدهر(مت 20:28). وليس من حقنا أن نتوقف هنا، فنكرز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادة لجميع الأمم ثم يأتي المنتهى(مت14:24).

 

وهذا كله ملخص تعليم يسوع المسيح في فترة الأربعين يوم من قيامته إلى صعوده. وعندما يحل الروح القدس علينا بقوة يبدأ حكم الله الموعود وبالتالي يغير حياة الناس وأعضاء ملكوت الله شعب من كل العالم سواء كانوا ـ يهود أو أمم ـ  ويمتد ملكوته تدريجيا وفي هذا الوقت يتوسع ملكوته سواء مجاهرة أمام الناس أو في السر.آمين.

 

 



أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتي إلى الآب إلأ بي.

يوحنا 14 : 6