Thu | 2012.Apr.05

شمشون: محبة الذات واللَّذات


وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ أَحَبَّ امْرَأَةً فِي وَادِي سَوْرَقَ اسْمُهَا دَلِيلَةُ ( قض ١٦: ٤ )

لقد قيل عن شمشون أنه أحب دليلة. ولكن شتان بين حب وحب. فهناك حب ناتج عن تفكير هادئ مُتزن يسعى إلى أن تكون لصاحبه علاقة كريمة مع مَنْ يُحبّ إلى نهاية الحياة، مهما كانت الظروف والأحوال، ومبدؤه الاحترام المتبادل بين الطرفين، وغرضه التعاون معًا وتقاسم حلو الحياة ومُرّها، وإنجاب نسل يُمجد الله، وشروطه التوافق في الحياة الروحية والثقافية، والتقارب في السن والحالة الاجتماعية. وهناك حُبّ أهوج لا يُقيم وزنًا لأي مبدأ من المبادئ الأدبية أو الاجتماعية، كما أنه لفترة محدودة من الزمن يخبو بعدها ويزول. وإذا ظل مدة ما، فإنه ينطفئ إذا أصاب أحد الشريكين مرض أو إملاق. ومن ثم فالحب الأول هو الحب الروحي، الذي تختفي فيه الذات، ويسعى الواحد بكل ما لديه من جهد لأجل خير صاحبه. أما الحب الثاني فهو الحب الجسدي، الذي يسعى إلى إرضاء الذات وحدها، بغض النظر عن أي شيء آخر. وما أتفهه من حب! وما أحقره!

كان حب شمشون بكل أسف من النوع الثاني، كما كان حب دليلة من هذا النوع أيضًا، فاستغل كل منهما صاحبه لمآربه الخاصة. فشمشون استغل دليلة لإرضاء أهوائه، واستغلت دليلة شمشون للحصول على الشهرة والمال، بغض النظر عما يُصيب شمشون من ذل أو أذى. وإذ ارتضى هذا أن يُسلِّم قلبه لها، أصبحت هي المتسلطة عليه والمُسيّرة له. فهذا البطل العظيم، سيطرت عليه امرأة وجعلته ألعوبة بين يديها. وكم غدر الهوى بصاحبه! وكم قاده إلى الحضيض والهوان!

أخذت دليلة، مدفوعة بحب المال، تسأل شمشون من وقت لآخر عن سر قوته لكي تبلّغه إلى أعدائه، فكان يحرص على عدم الإباحة به في أول الأمر. غير أنها لما أخذت تضرب له على الوتر الحساس، ألا وهو بحق حبه لها، وتلِّح عليه بأسلوبها الناعم الرقيق «ضاقت نفسه إلى الموت» ( قض 16: 16 ). عجبًا وكل العجب من شمشون! لماذا انتظر حتى وصل به الأمر إلى هذا الحد؟ ولماذا تضيق الدنيا في عينيه، على الرغم من سِعتها، حتى يصل إلى درجة الرغبة في الموت؟ الجواب: لأنه لم يهرب من الشهوة بل استسلم لها. والشهوة إذا استسلم المرء لها سلبته الراحة والهدوء، وضيَّقت الخناق حوله وقادته، إن أمكن، إلى الانتحار، كما تطالعنا الصحف من وقت لآخر.


عوض سمعان



أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتي إلى الآب إلأ بي.

يوحنا 14 : 6