بين الرغبة والتحقيق(رومية 9:1-15)


كل الناس لديهم رغبات كثيرة مثلما لدينا نحن. ومن الطبيعي أن يكون لديهم الوقت الكافي لتحقيق رغباتهم.  فما هي رغباتكم أنتم؟ وكم من الوقت احتجتم لتحقيقها؟  أعتقد أنَّ أكثركم ينتظر لكي تصل إليه تأشيرة السفر إلى الخارج.  علماً بأنَّ بعضكم ما زال ينتظر منذ أشهر أو ربَّما منذ سنوات ولم تصله التأشيرة.  ومعظمكم رفع صلاة حارة لفترة طويلة  إلى الله للإسراع بإنجاز معاملات الفيزا في أقصر وقتٍ ممكن،  وبالرغم من كل هذه الصلوات، لم تصل معاملات السفر إلى الآن. فكيف تشعرون إزاء هذا الموقف؟ هل أنتم منزعجون أو غاضبون بسبب التأخير؟ نحن نعتقد أنهَّ بالرغم من أننا نؤمن بالله ونُنَفِّذ وصاياه، إلاّ أنَّه لا يستجيب إلى الكثير من طلباتنا التي نرغب في الحصول عليها. ونتصوَّر بأنَّ الله بذلك يكون قد أضاع وقتاً مهماً من حياتنا، كان من الممكن أن يستخدمنا فيه فيما لو إستجاب إلى صلواتنا.

 

ولكن دعونا نُفكِّر أيُّها الإخوة، ماذا يمكننا أن نفعل أثناء فترة إنتظارنا هنا؟ من الأفضل أن نُفكِّر فيما يريده الله لنا. ماذا نفعل ونحن ننتظر اليوم؟ من قراءتنا اليوم، قابلنا شخصاً لديه رغبة لالذهاب إلى مكان ما، وانتظر طويلاً  جدّاً لكي يحقِّق الله له آماله.  من يكون هذا الشخص؟  وما هي الرغبة التي كان يطلبها باستمرار من الله؟ وكم من الوقت قضاه في الإنتظار لكي يحقق الله له رغبته هذه؟ وماذا كان يفعل خلال فترة انتظاره هذه؟

 

من رومية1:1نجد إنَّ هذا الشخص هو بولس، عبد يسوع المسيح، المدعو رسولاً، الـمُفْرَز لإنجيل الله. ومن غلاطية 2: 7و8 نجد أنَّ الرسول بولس كان مُخَصَّصاً للخدمة بين الأُمم، بينما كان بطرس مُخَصَّصاً للخدمة بين الـخِتان(أي اليهود). ماذا كانت رغبة بولس؟ نستطيع أن نكتشف من رومية 1: 10،13-15، و15: 22و23، إنّه كانت لديه الرغبة الشديدة للذهاب إلى روما. لماذا؟  هل لأنَّه كان يرغب في البقاء هناك مدى الحياة؟ كلاًّ. إذاً هل كان يرغب في أن يبني كنيسة أخرى هناك؟ كلاًّ. إذاً، لماذا كان لدى بولس رغبة للذهاب إلى روما؟ هنالك أربعة أسباب على الأقل:

 

السببالأوَّل نجده في رومية 1: 11، "لأني مشتاقٌ أن أراكم لكي أمنحكم هبةً روحيَّةً لِثَباتِكُم". نعم، لقد كان الرسول بولس مُؤَهَّلاً بما فيه الكفاية لكي يقوم بهذه الـمُهِمَّة، لأنَّه كان يمتلك مَواهب روحيَّة. وكذلك أعتقد أنَّ أعضاء كنيسة روما كانوا هم أيضاً يرغبون في لقاء بولس.

 

السببالثاني نجده في رومية1: 12، ونرى فيه أيضاً تواضُع بولس، حيثُ يقول: "أي لنتعزّى بينكم بالإيمان الذي فينا، إيمانكم وإيماني". لقد كان يريد أن يتعزّى بوجوده بين مؤمني كنيسة رومية، لأنَّ إيمانهم كان ينادى به في كل العالم(رومية1: 8).

 

السببالثالث نجده في رومية1: 13و14، "ثُمَّ لست أريد أن تجهلوا أيُّها الإخوة أنني مراراً كثيرة قصدت أن آتي إليكم،  ومُنعتُ حتى الآن، ليكون لي ثمرٌ فيكم أيضاً كما في سائر الأُمم. إني مديون لليونانيين والبرابِرة، للحكماء والجهلاء". لقد كان الرسول بولس يَعْلَم جيِّداً أنَّ هنالك شعوب كثيرة من الأُمم مقيمين في رومية من غير المؤمنين، فأراد أن يبشِّر بالإنجيل بين تلك الأمم، وحسب رأيي، ربَّما كانت هذه خطَّة استراتيجيَّة جيِّدة لتبشير كل الأُمم الذين في رومية بالإنجيل.

 

السببالرابع نجده في رومية 15: 23و24و25، إذ كان يريد أن يذهب إلى اسبانيا، ولكن بمساعدة كنيسة رومية. أي أنه كان عليه أن يذهب أوَّلاً إلى رومية ثمَّ إلى اسبانيا. لم تكن رغبة بولس أن يستقر في رومية التي تكثر فيها حياة الرفاهية وأمور الرّاحة والتسهيلات الكثيرة، بعكس ما نراه عند البعض من الـخُدّام، إذ نراهم يرغبون الذهاب إلى الأماكن التي يجدون فيها الراحة لأنفسهم لكي يقَدِّموا خدماتهم فيها.  وطبعاً كان البعض من المؤمنين أيضاً يرغبون في الذهاب، في ذلك الوقت، إلى روما لأنَّه كان فيها الكثير من التسهيلات، فكانت بذلك مَرْكَزاً للعالم، أو بمَثابة عاصمة للعالم. 

 

أما الرسول بولس، فكما ذكرنا، لم تكن رغبته أن يبقى في رومية  بل أن يمرّ بالمؤمنين هناك ثمَّ يذهب إلى اسبانيا. حيث كان قد أكمل التبشير بإنجيل المسيح في أَسِيَّا ومكدونية وأخائية، وأقام كنائس فيها بمساعدة كنيسة أنطاكية.  أمّا الآن فقد كان يرغب في الذهاب إلى اسبانيا ليُبَشِّرَ ويُؤَسِّسَ كنائس هناك بمساعدة كنيسة رومية.  لقد كانت  قاعِدة تبشيره الأولى هي مدينة أنطاكية، وأراد أن يُؤَسِّسَ قاعدةً جديدة يكون مَقرَّها في مدينة رومية، حيث أكمل خدمته هناك وهو يسعى للخدمة في اسبانيا التي لم يكن قد وصلها المبشِّرون بعد(رومية15: 23).

 

لقد فهمنا الان أنَّ رغبة بولس في السفر لم تكن لأجل  مَصالِحِهِ الخاصَّة، بل كانت للأسباب الأربعة التي ذكرناها آنفاً، والتي دفعته للسفر إلى رومية، لإشباع قلب الله الآب. لقد كانت رغبته أن يبشِّر بالإنجيل في جميع أنحاء المعمورة(الدنياـ العالم) وهذا كان يتَّفق أيضاً مع إرادة الله، كما جاء ذلك في رسالة تيموثاوس الأولى 2: 3و4، "لأنَّ هذا حسنٌ ومقبولٌ لَدى مُخلِّصِنا الله، الَّذِي يُرِيدُ أنَّ جميعَ الناسِ يَخْـلُصُونَ وإلى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ"، وكما في رسالة بطرس الثانية 3: 9، "لا يَتَباطَأُ الرَّبُّ عَنْ وَعْدِهِ كَما يَحْسِبُ قَوْمٌ التَّباطُؤَ، لكِنَّهُ يَتَأَنّى عَلَيْنا، وَهُوَ لا يَشاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُناسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلى التَّوْبَةِ".إنَّ جميع أسباب رغبة بولس في زيارة روما، كانت مَنْطِقِيَّةً وَمَقْبُولَةً، وهي من أجل خدمة الله. إذاً لماذا لم يُحَقِّقْ الله رغبة بولس للذهاب إلى روما في حينه؟ هل كان الشيطان قد منعه؟ كلاّ، فمن قراءتنا لرومية1: 10، يتبيَّن بوضوح مَنْ الذي منعه، إنَّه الله!!

 

أعتقد لو كنتُ أنا مكان الله، لنَقَـلْتُ بولس إلى روما فوراً، ولأُعطيتهُ إقامةً فيها، لأنّه كان قد اُخْتِيرَ مُبَشِّراً للأُمم، وكان مُؤَهَّلاً لِحَمل مسئوليَّة الكنيسة في روما، إذاً فلماذا منعه الله من دخول روما؟ وماذا كان يريد الرب من بولس قبل ذهابه إلى رومية؟  شيء واحد هنا لا يجب أن ننساه، وهو رغبة بولس للذهاب إلى روما. ولكن الله كان يريد أموراً أخرى أيضاً من بولس أثناء فترة انتظاره للذهاب إلى روما. وهنا علينا أن نكتشف، ما هي الأمور التي يريد الله منّا أن نعملها قبل الذهاب إلى استراليا مثلاً. هناك خمسة أسباب، على الأقل، لأَجْلِها منع الله بولس من الدخول إلى روما، كلها كانت تعبر عن إرادة الله:

 

السبب الأوَّل: نجده في رومية1: 9و10، حيث كان بولس يصلِّي كثيراً من أجل الذهاب إلى رومية، وكان الرب نفسه هو الشاهد على كثرة صلواته المتواصلة. لقد زَوَّدَ الله بولس بنعمة الصَّلوات المستمرَّة من أجل نجاح خدمته الـمُسْتَقْبَلِيَّة في رومية. فهل نحن كذلك نصلِّي؟ وهل أنتم تُصَلُّون من أجل السفر إلى استراليا مثلاً؟ إنَّ بولس لم يتردَّدْ من الإعتراف بأنَّ الله كان شاهداً على صلاته. فمن هو الشاهد على صلواتنا نحن؟ لذلك يجب أن نُؤَكِّد على أهمية الصلاة في حياتنا من أجل موضوعٍ مُعَيَّن.

 

السبب الثاني:  ماذا أراد الله من بولس أيضاً أثناء فترة انتظاره للذهاب إلى روما؟ نستطيع الإجابة من رومية 15: 14-16، إذ كان الله يريد من بولس أن يكتب رسالةً إلى أهل رومية، لقد كانت مشيئة الرب، وبتوجيهٍ منه، أن يكتب بولس هذه الرسالة العظيمة المهمة جداً، رسالة رومية، ويرسلها إلى أهل روما قبل أن يذهب إلى هناك. وكان من خلال كتابته يريد منهم أن يشاركوا معه في جوهر كلمة الرب. فلو سمح له الرب بالسفر إلى روما مباشرةً، فَوْرَ رغبتِهِ ذلِكَ، عندها لم يكن باستطاعته أن يكتب رسالة رومية هذه. فهل يمكنكم أن تتصوَّروا كيف يكون الكتاب المقدس بدون وجود رسالة رومية فيه؟

 

هناك حقيقة مُهِمَّة، وهي أنَّ العديد من الرسائل التي كتبها بولس إلى الكنائس، لم يكتبها قبل زيارته لها، بل كتبها بعد زيارته لها. ومن هذه الرسائل، رسالة كورنثوس التي كتبها بعد مغادرته كنيسة كورنثوس، وهكذا القول بالنسبة إلى رسائل فيلبي وغلاطية وأفسس وغيرها. ولكن رسالة بولس إلى أهل رومية كانت من مبدئياً تختلف كُلِّيّاً عن باقي الرسائل. فماذا يعني ذلك؟ نستطيع أن نلاحظ من هذه الرسائل، أنَّ بولس كان يحاول في كتاباته للكنائس أن يقدِّم حلولاً لمشاكلها الـمَحَلِّـيَّة. أما في رسالة رومية، فلا نجد نفس الأسباب كما في الرسائل الأخرى. أي لا نجده فيها يقدم حلولاً للمشاكل التي في كنيسة رومية. إذاً ما هو الغرض من كتابة رسالة رومية؟ نجد من رومية 15: 14و15، بأنَّ بولس كتبها كَمُذَكِّرٍ لهم، بسبب النعمة التي وُهِبَت له من الله.

 

إنَّ بولس لم تسنح له الفرصة ليكون حاضراً شخصيّاً حتى يَعِظَ في كنيسة رومية. ومع أنَّه كان لديه رسالة جيِّدة ليشاركهم بها، إلاّ أن الفرصة لم تسنح له. وحتى قبل أن يتعرَّف على المسيح ويقبله مُخَلِّصاً، كان قد قرأ العهد القديم بصورة جيِّدة وفهمه إلى حدٍّ ما، ولكن أثناء مقابلته للرب يسوع وهو في طريقه إلى دمشق، بدأ يفهم مضمون كلمة الرب أكثر فأكثر. وقد أمضى ثلاث سنوات في العربيَّة ليدرس العهد القديم من وجهة نظر المسيح. كذلك أمضى عدَّة سنوات يخدم الرب في أورشليم وكيليكية(وهي بلدته)، وفي كنيسة أنطاكية سنة واحدة، وكَمُرْسَلٍ في منطقة أَسِيَّا لِعِدَّةِ سنوات، وفي منطقة مكدونية وأخائية(كورنثوس)[نحن هنا نتحدَّث عن رحلة بولس الثانية]. وأيضاً أمضى ثلاث سنوات في كنيسة أفسس[أثناء رحلته الثالثة]، وبعدها جاء إلى كنيسة كَنْخَرِيا القريبة من كورنثوس، حيث مكث ثلاثة أشهُر، وكتب من هناك (أي من كنيسة كنخريا) رسالته إلى أهل رومية.

 

وبكلماتٍ أخرى نريد أن نقول، أنَّه كانت لدى بولس خبرة كثيرة من خلال خدمته الطويلة، يستطيع بها أن يَعِظَ ويُبَشِرَ بإنجيل المسيح شفويّاً من على منبر كنيسة رومية، كما فعل مع باقي الكنائس، ولكن الله لم يسمح له بذلك، ولهذا السبب قام بكتابة هذه الرسالة إلى أهل رومية، قائلاً لهم بصورة مُهَذَّبَة، أنَّه مُتَأكِّدٌ من صلاحهم ومعرفتهم بكُلِّ علمٍ، ويعرف بأنَّهم قادرون على أن يُنذِرَ بعضهم بعضاً، ولكنَّه يكتب إليهم لكي يُذَكِّرهم بما يعرفونه(رومية15: 14و15)، ولكنَّهُ في الحقيقة كان يعْلَم أنَّهم بحاجة إلى تَعَلُّم جوهر كلمة الرب وأن يعرفوا من هو بولس. فكان عليهم أن يستمعوا إلى بولس، الذي أصبح رسولاً للرب يسوع المسيح مُؤَخَّراً، بالرغم من وجود 12 رسول للرب يسوع، حيث أقامه الرب كرسول، لأنَّه كان مُحْتاجاً إليه لأجل إنجيل المسيح. وبالطبع ليس فقط كنيسة رومية التي يجب عليها أن تستمع إلى رسالة بولس وتتعلَّم منه، بل جميع كنائس العالم، ولهذا السبب كتب الرسول بولس رسالته إلى أهل رومية(في ذلك العصر، وإلى باقي كنائس العالم في كل العصور).

 

فلو افترضنا أن الرسول بولس كان قد ذهب إلى روما مباشرةً، وتكلَّم في الكنيسة هناك، فلن يقوم بعدها بكتابة هذه الرساله، بهذه التفاصيل الرائعة عن جوهر الإنجيل ورسالة الكتاب المقدس. وهنا يَتَّضِح عمق دور العناية الإلهيَّة وبركات الله لنا. هناك شخص قال عن رسالة رومية، بأنَّها تظهر من بين الـ 66 سِفْراً في الكتاب المقدَّس، وكأنَّها جوهرةٌ فوق خاتَمٍ من ذهب. لقد وضَّحَت لنا رسالة رومية ما هو معنى الإنجيل بصورة شاملة. إنَّ من لا يستطيع قراءة الكتاب المقدَّس بأكمله يستطيع أن يفهم جوهر كلمة الرب من رسالة بولس إلى أهل رومية، إذ يتَّفق أغلب علماء الكتاب المقدس، بأنَّه لو طُلِبَ منّا أن نختار سَفْراً واحدا فقط من الـ 66 سفراً الموجودة في الكتاب المقدس لكي يُعطينا حقَّ الخلاص، ويُلَخِّص لنا جوهر كلمة الله، أي الكتاب المقدس، فإننا نختار رسالة رومية. وقد ذكر بعض علماء الكتاب المقدس أيضاً، بأنَّ المسيحيَّة تستطيع أنْ تستمر ولو برسالة بولس هذه لوحدها، أي رسالة رومية.

 

إذ أنَّ الكثير من رجال الله المشهورين قد نالوا الخلاص بسبب هذه الرسالة، مثل القدِّيس أوغسطينوس ومارتن لوثر وجون ويسلي وغيرهم. على كل حال، لقد وضع الله الرغبة في قلب بولس للسفر إلى روما، وفي نفس الوقت لم يسمح له بالذهاب إليها مباشرةً، بل أخَّره كثيراً، مما جعل بولس يقوم بكتابة رسالته العظيمه هذه إلى أهل رومية.

إخوتي وأخواتي، ماذا عنكم أنتم؟ ماذا تفعلون بينما أنتم تنتظرون بفارغ الصبر وصول التأشيرات؟ إنَّ الله لا يريد منكم أن تكتبوا رسالةً مثل رسالة رومية، ولكنه يريد منكم أن تقرأوا رسالة رومية، وتدرسونها جيِّداً، وتُشاركون الآخرين في بركاتها.

 

السبب الثالث: من رومية 15: 25-29، نجد هنا السبب الرئيسي المباشر الذي كان يمنع بولس، في ذلك الوقت، من الذهاب إلى روما. حيث كان عليه أن يذهب إلى أورشليم أولاً لزيارة الكنيسة هناك. لقد كانت كنيسة رومية مُهِمَّةً له، إلاّ أنَّ كنيسة أورشليم كانت مهمة له أيضاً وربَّما أكثر.

لقد أراد بولس من زيارته إلى أورشليم أن يُقّدِّمَ أوَّلاً تقريراً عن خدمته طوال السنوات الماضية في الكنائس التي أسَّسها في مناطق مكدونِيَّة وأخائِيَة التي قام بزيارتها. وثانياً أن يُحْضِرَ من هذه الكنائس التقدمات والمساعدات إلى كنيسة أورشليم التي كانت تُعاني من الفقر والاحتياج في ذلك الوقت.

 

لقد كان بولس يفهم فكر الرب عن معنى الكنيسة الواحدة، أي جسد الرب الواحد، لذلك كان يريد أن يعمل جسراً بين هذه الكنائس (التي في مكدونيَّة وأخائية) وبين كنيسة أورشليم، لكي يُعطي للجميع ولنا أيضاً فكر الرب عن وحدانيَّة الكنيسة. ولأجل ذلك كان أهل مكدونية وأخائية، من خلال تعلُّمهم من بولس، قد استحسنوا أن يصنعوا توزيعاً لفقراء القدِّيسين الذين في أورشليم. استحسنوا ذلك وإنَّهم لهم مديونون. لأنَّه إن كان الأُمم، ومن بينهم أهل مكدونية وأخائية، قد اشتركوا في روحيّاتهم، أي في روحيَّات اليهود المسيحيين الموجودين في أورشليم، فيجب عليهم، أي على أهل مكدونية وأخائية،، أن يخدموا اليهود المسيحيين الذين في أورشليم، في الجسدِيَّات أيضاً، أي في الاحتياجات المادِّيَّة أيضاً(رومية 15: 26و27). وهذا يعتبر نوعاً من العرفان بالجميل لكنيسة أورشليم التي منها انْتَشَرَتْ كلمة الرب.

 

السبب الرابع: من رومية 15: 30-32، نجد أنَّ بولس طلبَ بكلِّ جِدِّيَّةٍ من أهل رومية أن يُجاهدوا معه في الصلوات من أجله إلى الله، لكي يُنْقَذَ من الذين هم غير مؤمنين في اليهوديَّة، وأيضاً لكي تكون خدمته لأجل أورشليم مقبولةً عند القدِّيسين.

 

السبب الخامس: من رومية 16: 1-16، ماذا فعل بولس أيضاً أثناء فترة الانتظار الطويل قبل وصوله إلى رومية؟ ومن فرط محبَّته لكنيسة رومية واهتمامه بها، قام بإرسال أشدِّ الْمُخْلِصِينَ من مُعاوِنيه وزُمَلائِهِ، وأكثر الأوفياء من تلاميذه للخدمة في كنيسة رومية. وكانوا جميعهم من أغلى الناس لديه. وبالرغم من إرساله ما يُقارب من أربعينَ شخصاً، استَمَرَّ يُبْدِي رغبَتَهُ في السفر إلى رومية. ومِنَ الذينَ أرسلهم، كما جاء في العددين 3و4، "بِرِيسْكِلاَّ وأَكِيلاَ" العاملين معه في المسيح يسوع، والَّذَيْنِ وَضَعا عُنُقَيْهِمَا من أجل حياته. وكذلك كان من بين من قام بولس بإرسالهم إلى رومية، كما جاء في العدد 5، "أَبَيْنِتُوسَ" حبيب بولس الذي هو باكورة مُقاطعة أخائية للمسيح، أي أوَّل من آمَنَ بالرب يسوع المسيح في منطقة أخائية. ولم يتورَّع بولس أو يتردَّد في إرسال أعَزّ أقربائه وأنْسِبائه مثل "أَنْدَرُونِكُوس وَيُونِياس"، والَّذَيْنِ كانا في المسيح قبله، كما جاء في العدد 7. ونجد أيضاً من بين من اختارهم وأرسلهم بولس إلى رومية، "روفس"  الـمُخْتار في الرب وأمُّهُ، أُم بولس بالروح، كما جاء ذلك في العدد 13. ونجد في العددين 1و2، الأُخت "فيبـي" فهذه كانت تُعاون بولس في خدمته، وكانت أيضاً تُساعد القدِّيسين كثيراً في نشر كلمة الرب. وهي التي أرسلها بولس حاملة رسالته إلى أهل رومية. إنَّ بولس من شدة حُبِّهِ لكنيسة رومية، قام بإرسال كلّ أحِبَّائه وأغلى الناس عنده ليُبَشِّروا ويَخْدِموا الرب فيهَا.

 

إخوتي وأخواتي، إذاً هل بسبب شدَّة رغبتكم إلى السفر ولتأخُّر وصول معاملاتكم، تحسدون إخوتكم الذين تَمَكَّنوا من السفر والدخول إلى بلادٍ جديدة، بينما أنتم ما زِلْتُمْ مُنْتَظِرِينَ؟ إنَّ بولس لم يحسد إخوته الذين سبقوه إلى رومية. هذا على الرغم من حُبِهِ الشَديد للسفر إلبها. لقد كان مسروراً جدّاً من أجلهم. في بعض الأوقات نُفَكِّرُ بأننا أحقّ من غيرنا في الحصول على تأشيرة، أو على الأقل في الحصول عليها قبل غيرنا. وقد يكون ذلك صحيحاً من وجهة نظرنا. وبما أننا لا نَزَال ننتظر، إذاً ماذا يَتَوَجَّب علينا أن نفعله من أجل الذين سبقونا وسافروا قبلنا؟ أرجو أنْ نُصَلِّي معاً مِنْ أجلهم لكي يُمَجِّدوا اسم الرب في البلاد الجديدة التي ذهبوا إليها ليستقِرّوا فيها.

 

إخوتي وأخواتي، هل لم يستمع الله إلى صلوات بولس إلى الأبد؟ الجواب هو، كلاّ. إنَّ الله أراد من بولس ووعده أيضاً بالدخول إلى روما، لكي يشهد له هناك أيضاً، "وفي الليلة التالية وقف به الرب وقال: ثِقْ يا بولس، لأنَّكَ كما شَهدْتَ بما لي في أورشليم، هكذا ينبغي أن تَشْهَدَ في رومية أيضاً"(أعمال الرسل 23: 11). لقد استجاب الله لصلوات بولس في الوقت الذي حدَّده حسب مشيئته هو، وليس حسب مشيئة البشر. لقد قاد الله بولس ووجَّهه إلى روما وقتما شاء.

 

في أعمال الرسل 28: 30-31، نكتشف كيف كان بولس يخدم الرب بعد وصوله إلى رومية: "وأقام بولس سنتين كاملتين في بيتٍ استأجره لنفسه. وكان يقبل جميع الذين يدخلون إليه، كارزاً بملكوت الله وَمُعَلِّماً بأمر الرب يسوع المسيح بكلِّ مًجاهرةٍ بلا مانعٍ". وبخصوص هذا الموضوع، سوف نتحدَّث في وقتٍ آخر عند دراستنا لأعمال الرسل.

 

إخوتي وأخواتي، يعتقد الكثيرون مِنَّا أنَّ الله لا يستجيب لكثيرٍ من طلباتنا بالرغم من أننا نؤمن به ونسير حسب مشيئته ورغبته، وهو لم يصغِ إلى صلواتنا الكثيرة.  أُريد أن أختم رسالتي هذه بتقديم ثلاثة أعدادٍ من كلمة الرب: "لأنَّ الله هو العامل فيكم أن تُريدوا وأن تعملوا من أجل المسرَّة"(فيلبي 2: 13).

 

"لأنَّه يعرف طريقي. إذا جرَّبني، أخرُجُ كالذهب"(أيُّوب 23: 10).

"ونحن نعلم أنَّ كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يُحِبُّونَ الله، الذين هم مدعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ"(رومية 8: 28).



أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتي إلى الآب إلأ بي.

يوحنا 14 : 6